العيني
3
عمدة القاري
1 ( ( بابُ فَضْلِ العِلْمِ ) ) كذا وقع في بعض النسخ ، مصدراً بالبسملة بعدها : باب فضل العلم ، وفي بعضها ، لا يوجد ذلك كله ، بل الموجود هكذا : كتاب العلم ، وقول الله تعالى . . . الخ . وفي بعضها البسملة مقدمة على لفظ كتاب العلم ، هكذا : بسم الله الرحمان الرحيم كتاب العلم . وهي رواية أبي ذر ، والأول رواية الأصيلي وكريمة وغيرهما ، اعني أن روايتهما ، أن البسملة بين الكتاب والباب . وقَوْلُ الله تَعالى : * ( يَرْفَع الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيْرٌ ) * ( المجادلة : 11 ) وقَوْلِهِ : * ( عَزَّ وَجَلَّ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) * ( طه : 114 ) . اكتفى البخاري في بيان فضل العلم بذكر الآيتين الكريمتين ، لأن القرآن من أقوى الحجج القاطعة ، والاستدلال به في باب الإثبات والنفي أقوى من الاستدلال بغيره . ونقل الكرماني عن بعض الشاميين أن البخاري بوب الأبواب وذكر التراجم ، وكان يلحق بالتدريج إليها الأحاديث المناسبة لها ، فلم يتفق له أن يلحق إلى هذا الباب ونحوه شيئاً منها ، إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه ، وإما لأمر آخر . ونقل أيضاً عن بعض أهل العراق أنه ترجم له ، ولم يذكر شيئاً فيه قصداً منه ، ليعلم أنه لم يثبت في ذلك الباب شيء عنده . قلت : هذا كله كلام غير سديد لا طائل تحته ، والأحاديث والآثار الصحيحة كثيرة في هذا الباب ، ولم يكن البخاري عاجزاً عن إيراد حديث صحيح على شرطه ، أو أثر صحيح من الصحابة أو التابعين ، مع كثرة نقله واتساع روايته ، ولئن سلمنا أنه لم يثبت عنده ما يناسب هذا الباب ، فكان ينبغي أن لا يذكر هذا الباب . فإن قلت : ذكره للإعلام بأنه لم يثبت فيه شيء عنده ، كما قاله بعض أهل العراق . قلت : ترك الباب في مثل هذا يدل على الإعلام بذلك ، فلا فائدة في ذكره حينئذٍ . ثم قال الكرماني : فإن قلت : فما تقول فيما يترجم بعد هذا بباب فضل العلم وينقل فيه حديثاً يدل على فضل العلم ؟ قلتُ : المقصود بذلك الفضل غير هذا ، الفضل إذ ذاك بمعنى : الفضيلة ، أي الزيادة في العلم ، وهذا بمعنى كثرة الثواب عليه . قلت : هذا فرق عجيب ، لأن الزيادة في العلم تستلزم كثرة الثواب عليه . فلا فرق بينهما في الحقيقة ، والتحقيق في هذا الموضع أن لفظ : باب العلم ، لا يخلو إما أن يكون مذكوراً ههنا ، وبعد باب رفع العلم وظهور الجهل ، على ما عليه بعض النسخ ، أو يكون مذكوراً هناك فقط . فإن كان الأول فهو تكرار في الترجمة بحسب الظاهر ، وإن كان الثاني فلا يحتاج إلى الاعتذارات المذكورة ، مع أن الأصح من النسخ هو الثاني ، وإنما المذكور ههنا : كتاب العلم ، وقول الله تعالى : * ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) * الآية ( المجادلة : 11 ) . ولئن صح وجود : باب فضل العلم ، في الموضعين فنقول : ليس بتكرار ، لأن المراد من باب فضل العلم ، هنا التنبيه على فضيلة العلماء بدليل الآيتين المذكورتين : فإنهما في فضيلة العلماء ، والمراد من : باب فضل العلم ، هناك التنبيه على فضيلة العلم ، فلا تكرار حينئذٍ . فإن قلت : كان ينبغي أن يقول : باب فضل العلماء ، قلت : بيان فضل العلم يستلزم بيان فضل العلماء ، لأن العلم صفة قائمة بالعالم . فذكر بيان فضل الصفة يستلزم بيان فضل من هي قائمة به ، على أنا نقول : إن لم يكن المراد من هذا الباب بيان فضل العلماء ، لا يطابق ذكر الآيتين المذكورتين الترجمة ، ولهذا قال الشيخ قطب الدين رحمه الله في ( شرحه ) بعد الآيتين ، ش : جاء في الآثار أن درجات العلماء تتلو درجات الأنبياء ، والعلماء ورثة الأنبياء ، ورثوا العلم وبينوه للأمة ، وحموه من تحريف الجاهلين . وروى ابن وهب ، عن مالك ، قال : سمعت زيد بن أسلم ، يقول في قوله تعالى : * ( نرفع درجات من نشاء ) * ( الأنعام : 83 ) قال : بالعلم . وقال ابن مسعود في قوله تعالى : * ( يرفع الله الذين آمنوا منكم ) * ( المجادلة : 11 ) . مدح الله العلماء في هذه الآية ، والمعنى : يرفع الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا فقط ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به . وقيل : يرفعهم في الثواب والكرامة ، وقيل : يرفعهم في الفضل في الدنيا والمنزلة . وقيل : يرفع الله درجات العلماء في الآخرة على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم . وقيل : في قوله تعالى : * ( وقل رب زدني علماً ) * ( طه : 114 ) أي : بالقرآن ، وكان كلما نزل شيء من القرآن ازداد به النبي ، عليه السلام ، علماً . وقيل : ما أمر الله رسوله بزيادة الطلب في شيء إلا في العلم ، وقد طلب موسى ، عليه السلام ، الزيادة فقال : * ( هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً ) * ( الكهف : 66 ) وكان ذلك لما سئل : أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا أعلم . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه . وقوله : درجات ، منصوب بقوله يرفع . فإن قلت : قوله : وقول الله تعالى : * ( يرفع الله الذين آمنوا منكم ) * ( المجادلة : 11 ) ما حظه من الإعراب ؟ قلت : الذي يقتضيه أحوال